صديق الحسيني القنوجي البخاري
97
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل معناه ليدوم لهم العذاب ولا ينقطع إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً في انتقامه ممن ينتقم من خلقه لا يغلبه شيء ولا يمنع عليه أحد حَكِيماً في تدبيره وقضائه وأنه لا يفعل إلا ما هو الصواب . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 57 إلى 58 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ( 58 ) ثم أتبع وصف حال الكفار بوصف حال المؤمنين فقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وهو لف ونشر مشوّش على حد قوله : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : 106 ] وعلى عادته تعالى من ذكر الوعيد مع الوعيد وعكسه سَنُدْخِلُهُمْ أي يوم القيامة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قد تقدم تفسير الجنات وجري الأنهار من تحتها ، وذلك الخلود بغير نهاية ولا انقطاع وليس المراد طول المكث . لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من الأدناس التي تكون في نساء الدنيا ومن كل قذر وسوء الخلق وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا الظل الظليل الذي لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم ونحو ذلك ، وقيل هو مجموع ظل الأشجار والقصور . وقيل الظل الظليل هو الدائم الذي لا يزول ، واشتقاق الصفة من لفظ الموصوف للمبالغة كما يقال ليل أليل ، قال الربيع بن أنس : هو ظل العرش الذي لا يزول ، وقيل هو ظل الجنة والأول أولى . إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع ، لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس قاطبة في جميع الأمانات ، وقد روي عن علي وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب أنها خطاب لولاة المسلمين والأول أظهر ، وورودها على سبب كما سيأتي لا ينافي ما فيها من العموم فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول . قال الواحدي : أجمع المفسرون عليه ، انتهى ، ويدخل الولاة في هذا الخطاب دخولا أوليا فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات ورد الظلامات ، وتحري العدل في أحكامهم ، ويدخل غيرهم من الناس في الخطاب فيجب عليهم رد ما لديهم من الأمانات والتحري في الشهادات والأخبار . وممن قال بعموم هذا الخطاب البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبيّ بن كعب ، واختاره جمهور المفسرين ومنهم ابن جرير ، وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار كما قال ابن المنذر .